السيد الطباطبائي

113

تفسير الميزان

الطبيعة بالصناعة فيما لا يناله من الطبيعة وزمانا يقاوم الطبيعة بالطبيعة ، وبالجملة فهو مستفيد لكل غرض من كل شئ ، ولا يزال مرور الدهور على هذا النوع العجيب يؤيده في تكثير تصرفاته وتعميق أنظاره ليحق الله الحق بكلماته ، وليصدق قوله : ( سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ) الجاثية - 13 ، وقوله : ( ثم استوى إلى السماء ) البقرة - 29 ، وكون الكلام واقعا موقع بيان النعم لتمام الامتنان يعطي أن يكون الاستواء إلى السماء لأجل الانسان فيكون تسويتها سبعا أيضا لأجله ، وعليك بزيادة التدبر فيه . فذاك الذي ذكرناه من صراط الانسان في مسير وجوده ، وهذا الذي ذكرناه من شعاع عمله في تصرفاته في عالم الكون هو الذي يذكره سبحانه من العالم الانساني ومن أين يبتدي وإلى أين ينتهي . غير أن القرآن كما يعد مبدأ حياته الدنيوية آخذة في الشروع من الطبيعة الكونية ومرتبطة بها ( أحيانا ) كذلك يربطها بالرب تعالى وتقدس ، فقال تعالى : ( وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ) مريم - 8 ، وقال تعالى : ( إنه هو يبدئ ويعيد ) البروج - 13 ، فالانسان وهو مخلوق مربى في مهد التكوين مرتضع من ثدي الصنع والايجاد متطور بأطوار الوجود يرتبط سلوكه بالطبيعة الميتة ، كما أنه من جهة الفطر والابداع مرتبط متعلق بأمر الله وملكوته ، قال تعالى : ( انما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) يس - 82 ، وقال تعالى : ( انما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) النحل - 40 ، فهذا من جهة البدء وأما من جهة العود والرجوع فيعد صراط الانسان متشعبا إلى طريقين طريق السعادة وطريق الشقاوة ، فاما طريق السعادة فهو أقرب الطرق يأخذ في الانتهاء إلى الرفيع الاعلى ولا يزال يصعد الانسان ويرفعه حتى ينتهي به إلى ربه ، وأما طريق الشقاوة فهو طريق بعيد يأخذ في الانتهاء إلى أسفل السافلين حتى ينتهي إلى رب العالمين ، والله من ورائهم محيط ، وقد مر بيان ذلك في ذيل قوله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم من سورة الفاتحة . فهذا اجمال القول في صراط الانسان ، واما تفصيل القول في حياته قبل الدنيا